الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

213

نفحات الولاية

الشرح والتفسير تحليل مهم لمسألة الخلافة تشير الخطبة - كما ذكرنا سابقاً - إلى العواصف العنيفة والخطيرة التي هزت الامّة الإسلامية وحرفت خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله بعيد وفاته عن مسارها السليم ، كما تتعرض لاصلح الأفراد وأجدرهم بالأخذ بزمام شؤون الامّة وزعامتها على ضوء المنطق والدليل والبرهان ، كما تعرج الخطبة على وخامة المعضلات التي أفرزها تقاعس المسلمين عن الالتزام بنصوص النبي صلى الله عليه وآله الواردة بشأن زعامة المسلمين . فقد إستهل الإمام عليه السلام الخطبة بشكواه ممّا آلت إليه الخلافة فقال : « أما والله لقد تقمصها « 1 » فلان وإنّه ليعلم أنّ محلي منها محل القطب من الرحا « 2 » » . لا شك ولا إشكال في أنّ الضمير في « تقمصها » يعود إلى الخلافة ، ولعل التعبير بالقميص إشارة إلى أمر وهو أنّ فلاناً قد استغل مسألة الخلافة كقميص يزين به نفسه ، والحال أنّ هذه الرحا تتطلب محوراً قوياً يحفظ نظامها في الحركة ويحول دون انحراف مسارها وتعثر بفعل المطبات التي تواجهها وتسيرها بما يضمن مصالح الإسلام والمسلمين . أجل فالخلافة ليست قميصا ، بل هي رحى الجامعة ، وليس للخلافة من غنى عن المحور . هي ليست ثوباً يرتدى . ثم يستدل عليه السلام بدليل واضح على المعنى المذكور ليكشف عن مدى علمه وسمو مقامه « ينحدر « 3 » عني السيل ولا يرقى إلي الطير » . فقوله عليه السلام « ينحدر عنّي السيل » يعني رفعة منزلته عليه السلام كأنّه في ذروة جبل أو يقاع مشرف ، ينحدر السيل عنه إلى الوهاد والغيطان ، وقوله عليه السلام « ولا يرقى إليّ الطير » هذه أعظم في الرفعة والعلو من التي قبلها ، لان السيل ينحدر عن الرابية والهضبة ، وأمّا تعذر رقى الطير فر بما يكون للقلال الشاهقة جدا ، بل ما هو أعلى من قلال الجبال ، كأنه يقول : إنّي لعلو منزلتي كمن في السماء التي يستحيل أن يرقى الطير إليها .

--> ( 1 ) « تقمص » من مادة فميص بمعنى لبسها كالقميص . ( 2 ) « الرحا » بمعنى الطاحونة ، وقد استعملت مادتها بصورة ناقص واوي وناقص يائي . ( 3 ) « ينحدر » من مادة إنحدار بمعنى الانهمار والسقوط على وجه الكثرة .